رائد الأشعة في العراق وباني أُسسها التعليمية والمهنية

المقدمة

يُعدّ الدكتور شوكت محمود الخطيب من أوائل الأطباء العراقيين المختصين في الأشعة، ومن الشخصيات التي لعبت دوراً محورياً في تأسيس وتطوير هذا التخصص داخل العراق. عاش حياة علمية غنية تميزت بالكفاح الذاتي والتفوق في ظل بدايات بسيطة وصعوبات مهنية، حتى أصبح مديرًا لمعهد الأشعة ومحاضرًا في كلية الطب ببغداد، وترك أثراً كبيراً في أجيال من الأطباء والفنيين.

طفولته ودراسته

وُلد في مدينة كربلاء في 20 شباط عام 1909م (1327 هـ) في ظل الدولة العثمانية. انتقل مع أسرته إلى بغداد بعد الاحتلال البريطاني للعراق عام 1917، وسكن في دار جده عبد الوهاب الخطيب، إمام جامع المصرف في محلة البارودية. التحق بالكتاتيب وختم القرآن الكريم في سن مبكرة، ثم واصل تعليمه الابتدائي والثانوي في بغداد.
يذكر أنه شارك ضمن طلاب مدرسته في حفلة تتويج الملك فيصل الأول عام 1921، وواصل تقدمه في المراحل الدراسية إلى أن أنهى الابتدائية عام 1924، ثم الثانوية، ليلتحق بالكلية الطبية متقدماً على أقرانه بسنة.

الكلية الطبية الملكية

التحق الدكتور شوكت بالكلية الطبية الملكية في بغداد وتخرج عام 1933 ضمن الدورة الثانية. اختار التخصص في الأشعة عام 1934، رغم الإمكانات المتواضعة جداً لمعهد الأشعة حينها. تلقى تدريبًا أوليًا غير منظم تحت إشراف الطبيب البريطاني د. نورمن، والذي لم يكن يرحب بالأسئلة أو النقاش. ورغم ذلك، واصل شوكت تعلّم الأشعة بأسلوب ذاتي، مستخدماً المقارنة بين الصور الطبيعية والمرضية، وابتكر فكرة إنشاء أفلام “قياسية” مرجعية لأعضاء الجسم، وهو أسلوب رائد في زمانه.
تميز أيضاً بإصراره على التعلم خلال إجازاته، وكان لحسن تشخيصه إحدى حالات السل الرئوي تأثير مباشر في تغيير نظرة مديره إليه، ليُعاد بعدها إلى معهد الأشعة ببغداد عام 1934 بشكل رسمي.

دراسته في لندن

بعد سنوات من العمل، حصل على فرصة إيفاد إلى لندن عام 1946 (بعد تأجيلها بسبب الحرب العالمية الثانية). قضى عاماً في مستشفى بارثولومبوس في قسم الأشعة التشخيصية، ثم ثمانية أشهر في قسم المعالجة الشعاعية، وعاد إلى العراق عام 1948، وهو مزود بمعرفة علمية حديثة ساهمت في تطوير القسم الذي يعمل فيه.

المراكز العلمية والمناصب

تدرج الدكتور شوكت في المناصب، إذ عُيّن مسؤولاً عن القسم التشخيصي في معهد الأشعة، ثم بدأ بإلقاء محاضرات لطلبة الصف السادس في الكلية الطبية عام 1957.
وفي عام 1963 تم تعيينه مديراً لمعهد الأشعة، وبقي في هذا المنصب حتى تقاعده عام 1969 بناءً على طلبه.

أهم إنجازاته

من أبرز إنجازاته المهنية والعلمية:

  • تأسيس دورات فنية إقليمية بالأشعة في بغداد بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، لتخريج فنيين مصورين ومعالجين بالأشعة من العراق والشرق الأوسط، وكانت مدتها سنتين.
  • رئاسة اللجنة الفنية لتجهيز مستشفيات العراق بأحدث أجهزة التصوير الشعاعي، ومن أبرزها مدينة الطب ومستشفى الرشيد العسكري.
  • تدريب وتعليم أبرز أطباء العراق في مجال الأشعة والطب السريري، ومنهم الدكتور عبد اللطيف البدري، والدكتور أديب توفيق الفكيكي، والدكتور خالد القصاب، والدكتور عبد الكريم شريف.

مؤلفاته

ألف وشارك في كتابة عدد من البحوث العلمية، أبرزها بحثه حول مرض أكياس هايداتد المنشور في مجلة الكلية الطبية في نيسان 1956، والذي لقي اهتماماً دولياً، حيث تلقى رسالة من الطبيب الخاص بملكة بريطانيا (سير أفري جونس) يطلب فيها نسخة من البحث.
كما نُشرت بعض بحوثه وتصاويره في المجلة الطبية البريطانية عام 1963، وهو إنجاز علمي كبير في حينه.

فلسفته الخاصة

تميّز الدكتور شوكت بفلسفة إنسانية عميقة. قال:

“إذا أردت أن أصف الحياة بكلمة واحدة فهي الكفاح…
الإنسان الحكيم يكيّف نفسه حسب محيطه، وإذا أصابه مكروه فعليه أن يكافح، ليس فقط لإسعاد نفسه، بل لإسعاد المجتمع.”
وكان يؤمن أن التفاؤل هو السبيل لتجاوز العقد النفسية وخلق جو من الأمل.

وفاته

توفي الدكتور شوكت محمود في بغداد خلال عقد التسعينيات بعد مسيرة حافلة بالعطاء في خدمة الطب والعلم والمجتمع.

المصادر

  •  تأريخ أعلام الطب العراقي الحديث – الدكتور أديب توفيق الفكيكي – بغداد 1989 – صفحة 47.
  •  الكلية الطبية الملكية العراقية: من خلال سيرة ذاتية – تأليف: سالم الدملوجي – المجلد الأول

بقلم د علي باسم محسن / أخصائي الأشعة التشخيصية / بغداد

اترك رد

متداول

اكتشاف المزيد من تأريخ الأشعة في العراق

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة